السبت، 22 سبتمبر 2012

للكتابة والحقيقة ... وليس لشيء آخر


" أكتب لأن الكتابة رئتي الثالثة " _سارة درويش

صارت الكتابة في نهاية الأمر عبئا ، هما ، ألما .. وصارت هي متنفسي الوحيد بعيد عن كل شيء أحبه أو لا . 
كل شيء صار له ألف من المراقبين وألف آخرين مشرفين وألف آخرين أو ألفين من المتفرجين المهرجين .. يمتصون منك كل معني وكل هدف وكل شيء .
تفرق دمي بين قبائل كل من حولي ، تفرق بين الاقارب لتر ونصف أو يزيد .. والحلم لتر ونصف أو يزيد .. ووصية الأب المجهولة أخذت لترين .. تبقي لتر أخير اختطفه بعض من الاصدقاء القدامي واعتصر الباقون جسدي كي ينالوا حقهم ثم تركوا تلك الجثة الهامدة ملقاة علي باب قطار منذ أن خرج من محطته لم يتوقف .. 
أرسل له الله من في قلوبهم رحمة كانوا من مكان أبعد مما تخيل ... واكتشف حقا أنه ابتعد كثيرا عن المكان الذي كان فيه ، أطعموه من دمائهم بالمشاركة فصار هو جميعهم بعد قليل من الوقت .. 
تغذو مثلي من الكتابة ، ولكن الكتابة كانت بالنسبة لي شيئا قاربت قيمتها للحياة ، جسدتها أنثي حقيقة احتفظت لها من الاخلاص والوقار ما لم أحتفظ به في نفسي لبشر حتى أبي وأمي ، وعندما اتهموني بالجنون فهمت أني علي أول درجات المجد الأبدي وأنا لازلت طفلا في العشرينات ... 

اتكأ مستغرقا في التفكير علي كرسيه الخشبي أمام مكتبه وقدامه أوراقه ، يفكر ... هل يقتبس رضوي عاشور في هذه الكلمات وتقمسها شخصية شجر في روايتها أطياف ؟ هل يظن حقا أن من يكتبه هو بالفعل من يحكي عنه ؟ كيف له أن يصف واقعه بهذا السوء رغم أنه يعرف جيدا أنه ينقل جزءا صغيرا من واقعه المؤلم ولا يتكلم أبدا عن ذكريات واقعه المضحك ؟ هل يحكي ما حدث له أم يحكي ما فكر فيه ؟ هل يختلف واقع الأمر وحقيقته عن ادراكه لما يحدث ؟

لن أخبئ عنكم شيئا آخر قد صارت حياتي مشاع منذ كثير من الوقت ، وأنا أصرخ بكل ما يحدث علانية وأنتم تصفقون وكأنه شيئا من الابداع وتجاملون بكل صدق كلماتي ... وكأن أكثر الأشياء علانية في هذا العالم البليد هو أيضا أكثر الأشياء سرية بالنسبة لي ... فهو موجود أمامكم وأنتم لا تفهموه ... أين يا تري الخطأ ؟! (يتعجب)

هو لا يشكو مصائبه لكم ، هو يحكي لكم فقط عما يشعر به نحوكم بكل وضوح ، هو لا يشعر بالأسي علي نفسه ولن يشعر بالأسي علي نفسه أبدا ... سيكون فخورا بما فعل طالما استمر حيا في هذا العالم البليد كما قال لكم ، لكنه يستغلكم في بعض أوقات تفريغه النفسي بالكتابة ... يفرح يكتب لكم أشياءا طفولية إلي أقصي حد التافهة لكم قوية القيمة والسمو بالنسبة له ولو عقلتموها ستفهمون ، يحزن يكتب لكم ما إن قرأتموه لاتهمتوه بالكآبة والاستسلام وشيء من فقدان الأمل والحزن والتشاؤم .. 

لن أتحدث لكم عما أشعر به أكثر من ذلك عليكم أن تفكروا فيما بعد ... عليكم أن تفهموا يامن تقرأون أن حتى كتَّاب تلك الروايات الحزينة المقيتة الكئيبة وقت كتابتها يمرحون ويكذبون عليكم فيما تقرأون ... انهم فقط ينقلون جزء من الحقيقة لا الحقيقة كاملة ، ينقلون العبء الذي يعجزون عن تحمله وحدهم مثلي تماما ، وتقرؤنه أنتم كأنه صورة كاملة من حياة شخصية وهمية جزء منها فكرة من الكاتب .. موقف اقترب كثيرا من قلبه قرر أن يخلده في بعض الأوراق ، وجزء آخر من حزن الكاتب لشيء ما يأسف عليه ويعجز أن يتحمله وحده ، فيحملكم إياه معه .. 

تجدوه الآن مجذوبا متألما حقيرا ... تكنّوا له شيء من العطف وجزء من الشفقة علي ما وصل إليه شخص مثله ضعيف .. غير مؤمن .. جاحد ؟ أيفكر أحدكم في هذا الآن انه لا يستبعد أن تفعلوا ولن يتعجب ... لقد اعتاد كثيرا هو نفسه أن ينظر إلي من حوله هذه النظرة عندما يراهم في مثل حالته ... لا تشعروا تجاهه بالتقزز المفاجئ فستبتسمون أمامه غدا عندما تقابلونه ، وقد يمتلك أحدكم الشجاعة ويقول له مداعبا "مش هتبطل دور الكآبة ال عايش فيه؟" 

سنري غدا .. من يملك الشجاعة هو ، أم أنتم ؟ هل سيملك الشجاعة في أن يعاملكم كالعادة بالضحكة والبسمة والأمل ؟ وهل ستملكون الشجاعة لأن توقفوا تلك الابتسامة وذاك الأمل المشع نورا من كل حركة يفعلها وتسألونه ما بك ؟ هل سيملك الشجاعة كي يجيب ( لا أعتقد ) ؟ هل ستملكون الشجاعة كي تسمعوه ان أجاب طويلا دون أن تشعروا بالشفقة والعطف والتقزز والقرف (لا أعتقد) ؟ 

سنري ... ان غد لناظره قريب 

هكذا أستخدم الكتابة علي أنها حياة تعيش وليس كأنها مجرد ثمانية وعشرون حرف ... مجرد بعض الخطوط ، انها حيــــــــــــــــــــــــاة بالنسبة لي 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق