السبت، 3 ديسمبر 2011

الخروج من المجهول (قصة)


" الخروج من المجهول "

بدا صارخا مصمما :
" لن أسمح لك أن تتحرر وتأخذ كل شيء تريده بهذه البساطة الحالمة وترحل ... انك أغبي ما تكون ان ظننت أنك بهذه السهولة التي تقنعني فيها بأنك بالصدق والحب وتلك الابتسامة الساحرة المرسومة بدقة إله علي شفتيك قد تأسرني وتمر بسلام "

نظر له الآخر لا ينبت بكلمة لا تتغير ملامحه المتسامحة المبتسمة بطريقة دائمة ... أنزل من علي كتفه الحقيبة التي كان يحملها وفتحها وأخذ يبحث فيها ... ينبش بين أشيائها الكثيرة ... يفكر ما الذي من الممكن أن يفيد ذاك الصارخ ... نسي أن هذا المكان العجيب يكفي فيه التفكير كي تتكلم ففهم ذاك الصارخ أنه يريد أن يعطيه شيئا .. فثار مرة أخري صارخا ف وجهه :

" لن أقبل منك شيئا ... لن أقبل منك شيئا ... لن يرضيني إلا أن تسجن معي دهرا كاملا ... أو ربما دهور ... (تتغير نبرة الغضب لنبرة يغرقها الخبث) لن تخرج من هنا وان أهديتني كل زادك وعدتك وعتادك الذي تحمله علي كتفك "

لم يلقي له بالا وتابع البحث بين أشياءه وبدا يتمتم :

" الخضرة ... الصحراء ... السماء ... الأرض ... الماء ... الدفء ... البرد ... الحيرة ... ألشجن ... الحب ... الأمل ... شيء محسوس آخر ... شيء ملموس آخر ... ورقة مكتوب عليها قصة شعب ... قلم كتب به أفلاطون ... كناب محمد ... جدار لامسه موسي ... ورقة من كتاب بوذا ... تمثال لرع ... شمس أبولو ... حجارة من نورتي شيكو، إنها مواريث الأرض التي غادرت بها ما الذي قد أهديه إلي هذا الشاكي"
ووقف لحظة يفكر ...!

" يا لك من أحمق كي تتحدث عني بهذه الطريقة ... أتتباهى بما لديك من مواريث جمعتها قبلي من هذا الدمار ... لا أريد أيا منها أملك ما يكفيني ... أملك القوة .. والبطش ... ويد فرعون العظيم .. وجمجمة هتلر .. أملك الخرافة والأساطير ... الكره مازال يتغلغل ف عروقي ... الغضب هو شوكتي والضعف سكيني "

يصمت ويدور حوله في غضب صارخ واستهزاء عظيم في آن واحد وهذا الآخر لا يتحرك ساكنا ... يستغرق في تفكيره يغمض عينيه يستعيد ما قابله من حكايات ما رآه من نوادر ... يحاول أن يستغرق في التفاصيل  كي يصل لما هو أمثل...
 
يكمل الصارخ كلامه :
" تظن أن هذه معركة أخري من حرب الخير والشر ... تظن أنها معركة محسومة لنبل الأخلاق وقوة الإرادة ... تظن أن ابتسامتك حقا هي منقذك وليس سيف هرقل الذي تحمله أو رمح أحمس ... تظن أن الماء سر الحياة والتراب هو منبعها ... لا زلت تحلم كالأطفال ... لازال الحلم يحتل وجدانك ... ونسيت أن السحر بين يدي .. "

انتهي من تفكيره دون جدوى ... لم تساعده تفاصيله كثيرا ... حقيقة الأمر التي لا ينكرها أنه يريد أن يفدي خروجه بما سوف يتركه..
الظلام حالك ... يتمتع كليهما بحاسة لمس قوية وشعيرات رفيعة فوق الرأس توجههم كالخفافيش .. ولكنهما لا يعرفان مكنونهما ف الأصل ... ليس بالأمر المهم الآن ... عاد يبحث بين أشياءه مرة أخري ...

"اللين .. الحزم ... التطرف مكبل بأصداف من خيوط العنكبوت ... الموت مسجون بين قضبان من دماء شهيد ... ورقة من رواية ... بيت من الشعر ... و ... و ... ما هذا ؟ "
أخرج كيسا حريرا معقودا بإحكام لا يدري ما هو ... كف ذاك الشاكي عن الدوران وتوقفت أنفاسه عندما أخرج الكيس ورفعه إلي أعلي ... كي يستشعر ما به ... لم يستطيع .!
تردد أن يفتحه ... هذه الموروثات من الأرض يخشى كل غامض منها ... فأي غامض أحيانا يحمل بين طياته سرا شريرا ... أو خيرا كان قمة علي أهله ..!!
فجأة عاد ذاك الصارخ :
"افتح هذا الكيس أو مزقه ... من الممكن أن يكون به سرا عظيما ... "

ارتسمت علي وجهه لأول مرة ملامح الانزعاج من صراخه .. أمسك الكيس بكلتا يديه استشعر صخرة قريبة ... اقترب منها وضع الكيس عليها في حرص ... حاول أن يفك ربطته .. احتاج الأمر لقوة بسيطة لم تفلح ... الأمر يحتاج لقوة أكبر ...

") شخصية مثالية تبحث عن قيم أفلاطونية في زمن يحيا فيه أباليس ورغم كل شيء تعيش وتنتصر) .. أحمق آخر يؤمن بمعارك الخير والشر الذي ينتصر فيها الخير ف اللحظة الأخيرة عندما يستعيد إيمانه بالإله ... لحظتك الأخيرة قاربت وما من خير انتصر أو شر اختفي .. "

علا صوت الصارخ فجأة بتلك الكلمات التي كتبت علي ورقة مجهول في حقيبة الرحال ... ظهر الضيق علي ملامحه لأول مرة ، أمسك بالكيس وتحرك نحوه في رشاقة ورقة أخذ منه الورقة بحزم .. أعادها إلي حقيبته أحكم ربط الحقيبة حملها بين يديه بحرص ... عاد إلي الصخرة مرة أخري محاولا أن يفك الكيس ... استخدم القوة حينها لمرة ... انفرط الرباط ... وخرجت الشمس ... !

نظرا حوليهما وجدا أرضا شاسعة حطام مدن علي مرمي النظر وسط بحار من الورود وهما بين أطلال منزل ... سكت الصارخ وذهل الرحال ... فقط احتلهم الانبهار ... !

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق